أحمد بن محمد القسطلاني
402
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
التي تراها من حزن القلب بغير تعمد ولا استدعاء لا مؤاخذة عليها ( رحمة جعلها الله ) تعالى ( في قلوب عباده ، وإنما ) بالواو ، ولأبي ذر ، فإنما ( يرحم الله من عباده الرحماء ) نصب على أن ، ما ، في قوله : وإنما ، كافة ، ورفع على أنها موصولة ، أي : إن الذين يرحمهم الله من عباده الرحماء ، جمع رحيم من صيغ المبالغة ، ومقتضاه أن رحمته تعالى تختص بمن اتصف بالرحمة ، وتحقق بها ، بخلاف من فيه أدنى رحمة . لكن ثبت في حديث عبد الله بن عمرو ، وعند أبي داود وغيره : الراحمون يرحمهم الرحمن ، والراحمون : جمع راحم ، فيدخل فيه كل من فيه أدنى رحمة . فإن قلت : ما الحكمة في إسناد فعل الرحمة في حديث الباب إلى الله ، وإسناده في حديث أبي داود المذكور إلى الرحمن ؟ . أجاب الخوييّ ، بما حاصله : أن لفظ الجلالة دال على العظمة ، وقد عرف بالاستقراء أنه حيث ورد يكون الكلام مسوقًا للتعظيم ، فلما ذكرها ناسب ذكر من كثرت رحمته وعظمت ، ليكون الكلام جاريًا على نسق التعظيم بخلاف الحديث الآخر ، فإن لفظ الرحمن دال على العفو ، فناسب أن يذكر معه كل ذي رحمة ، وإن قلَّت . ورواة الحديث الثلاثة الأول مروزيون ، وعاصم وأبو عثمان بصريان ، وفيه : التحديث والإخبار والقول ، وأخرجه أيضًا في : الطب ، والنذور ، والتوحيد ، ومسلم في : الجنائز ، وكذا أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجة . 1285 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قال حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ قال حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِلاَلِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ : " شَهِدْنَا بِنْتًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ ، قَالَ فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ ، قَالَ فَقَالَ : هَلْ مِنْكُمْ رَجُلٌ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ ؟ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ : أَنَا . قَالَ : فَانْزِلْ . قَالَ فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا " . [ الحديث 1285 - طرفه في : 1342 ] . وبه قال : ( حدّثنا عبد الله بن محمد ) المسندي ( قال : حدّثنا أبو عامر ) عبد الملك بن عمرو العقدي ، ( قال : حدّثنا فليح بن سليمان ) الخزاعي ( عن هلال بن عليّ ) العامري ( عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، قال ) : ( شهدنا بنتًا لرسول الله ) أي : جنازتها ، وكانت سنة تسع ، ولأبي ذر : بنتًا للنبي ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) هي : أم كلثوم زوج عثمان بن عفان ، رضي الله عنه ، لا رقية ، لأنها توفيت والنبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ببدر فلم يشهد جنازتها ( قال : ورسول الله ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) جملة وقعت حالاً ( جالس على ) جانب ( القبر ، قال : فرأيت عينيه تدمعان ) بفتح الميم ، وهذا موضع الترجمة كما لا يخفى ( قال : فقال ) عليه الصلاة والسلام : ( هل منكم رجل لم يقارف الليلة ؟ ) بقاف ثم فاء ، وزاد ابن المبارك عن فليح ، أراه يعني : الذنب . ذكره المصنف تعليقًا في باب : من يدخل قبر المرأة . ووصله الإسماعيلي ، وقيل : لم يجامع تلك الليلة ، وبه جزم ابن حزم . وفي رواية ثابت عن أنس عند المؤلّف في التاريخ الأوسط : لا يدخل القبر أحد قارف الليلة ، فتنحى عثمان . ( فقال أبو طلحة ) زيد بن سهل الأنصاري : ( أنا ) لم أقارف الليلة ، قيل : والسر في إيثار أبي طلحة على عثمان أن عثمان قد جامع بعض جواريه تلك الليلة ، فتلطف النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في منعه من النزول في قبر زوجته ، حيث لم يعجبه أنه اشتغل عنها تلك الليلة بذلك ، لكن يحتمل أنه طال مرضها ، واحتاج عثمان إلى الوقاع ، ولم يكن يظن أنها تموت تلك الليلة ، وليس في الخبر ما يقتضي أنه واقع بعد موتها ، بل ولا حين احتضارها . ( قال ) عليه الصلاة والسلام لأبي طلحة ( فانزل ) بالفاء ( قال : فنزل في قبرها ) . وفي الحديث : التحديث والعنعنة والقول ، وأخرجه المؤلّف أيضًا في : الجنائز . 1286 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ : " تُوُفِّيَتِ ابْنَةٌ لِعُثْمَانَ - رضي الله عنه - بِمَكَّةَ وَجِئْنَا لِنَشْهَدَهَا ، وَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهم - ، وَإِنِّي لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا - أَوْ قَالَ : جَلَسْتُ إِلَى أَحَدِهِمَا ، ثُمَّ جَاءَ الآخَرُ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِي - فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمَرَ - رضي الله عنهما - لِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ : أَلاَ تَنْهَى عَنِ الْبُكَاءِ ؟ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ " . وبه قال : ( حدّثنا عبدان ) بفتح العين وسكون الموحدة ، عبد الله بن عثمان ، قال : ( حدّثنا عبد الله ) بن المبارك ، قال : ( أخبرنا ابن جريج ) عبد الملك بن عبد العزيز ( قال : أخبرني ) بالإفراد ( عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة ) بتصغير عبد الثاني ، كمليكة ، واسمه زهير ، ( قال ) : ( توفيت ابنة لعثمان رضي الله عنه بمكة ) هي : أم أبان ، كما صرح به في مسلم ( وجئنا لنشهدها ، وحضرها ابن عمر ) بن الخطاب ( وابن عباس رضي الله عنهم ، وإني لجالس بينهما ) أي : بين ابن عمر وابن عباس ( - أو قال : جلست إلى أحدهما ) شك ابن جريج ( ثم جاء الآخر فجلس إلى جنبي - ) زاد مسلم من طريق أيوب ، عن ابن أبي مليكة : فإذا صوت من الدار ، وعند الحميدي ، من رواية عمرو بن دينار عن ابن أبي مليكة : فبكى النساء . ( فقال عبد الله بن عمر ، رضي الله عنهما ، لعمرو بن عثمان ) أخيها : ( ألا تنهى ) النساء ( عن البكاء ؟ فإن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ) : ( إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه ) فأرسلها مرسلة ، ولمسلم عن عمرة بنت عبد الرحمن ، سمعت عائشة ، وذكر لها أن عبد الله بن عمر يقول : إن الميت يعذب ببكاء الحي